أقدم إلى قراء (جريدة البصائر) معالم من المنظومة الجامعية التي كانت تمثل [رؤية جيلنا] في مرحلة التأسيس للمسار العلمي والإداري للجامعة الجزائرية، وفك الارتباط بالمنظومة الجامعية الفرنسية في أواخر العقد الأول وبداية العقد الثاني ثم الثالث من عمر استقلال الجزائر، عشناها تخطيطا وتوجيها في مجال الآداب والعلوم الإنسانية بالمجلس الوطني للبحث العلمي (1972 ــ 1978) وميدانيا في قاعات التدريس والإشراف والتوجيه وتسيير إدارة الجامعة، (راجع مقالاتنا عن جامعة قسنطينة بجريدة البصائر 2022)، وفي كل ذلك كانت تحدونا مقولة رائد نهضة الجزائر المعرفية الشيخ عبد الحميد بن باديس ــ رحمه الله ــ

شعب الجزائر مســـلم وإلى العروبة ينـــتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب
أو رام إدماجـا له رام المحـــال من الطـــلب
يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها وخض الخطـــوب ولا تهب

أ ــ الجـامـعة

1 ــ الجامعة مؤسسة تعمل ضمن العمل المؤسساتي للمجتمع، وهي ملك للشعب تحكمها قوانين الدولة الجزائرية وتضبط مسارها وفق استراتيجيتها في بناء المجتمع، وأبوابها مفتوحة لتلقي العلم وممارسة البحث لأي فرد مؤهل لمواكبة منظومتها المعرفية من أي منطقة من العالم، ماعدا ما تراه الدولة أساسا من أسس سيادتها، فهي تحجبه وتقصره على أبنائها حماية للوطن.

2 ــ الدولة تؤسس الجامعة لتواكب من خلالها التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي والحضاري للمجتمع، ولا تجعلها مؤسسة منعزلة عن انشغالات المجتمع؛ بل الجامعة مرجعها في مواكبة التغيير والتطوير نحو الأفضل.

3 ــ الجامعة ليست مؤسسة تنمي إيديولوجية ما لتطور منظومتها السياسية والثقافية والاجتماعية؛ بل الجامعة مؤسسة تقوم على الفكر الحر وصناعة المعرفة وتنميتها في اتجاه يخدم المجتمع والإنسانية بعيدا عن التأثر بالمتغيرات الظرفية.

4 ــ الجامعة تنفتح على المعرفة وتسعى إليها وتكتسبها بوساطة البحث العلمي أو باتفاقيات مع جامعات العالم، أو دعوة أساتذة باحثين زائرين أو توظيفهم، ولا حرج في ذلك فهو تقليد جامعي عالمي معروف مادامت الجامعة وطلبتها هم الذين سيكتسبون المعرفة.. والعكس صحيح أيضا، حيث تمد الجامعة الجزائرية الجامعات العالمية بخبرة أساتذتها وطلبتها، وتتبادل معهم الزيارات للأساتذة والطلبة والوثائق والدوريات العلمية، وعقد اللقاءات العلمية وتطوير الأبحاث المشتركة، إلا أن ذلك يتم في إطار علاقات الدولة الجزائرية ومصالحها مع الدول التي تتواجد بها الجامعات المعنية بالتعاون.

5 ــ في الجامعة ينتسب الطالب إلى النخبة التي ستقود المجتمع مستقبلا، وفي حرمها تبدأ شخصيته تعيش عملية التحول والتغير، على مستوى التفكير وعلى مستوى العلاقة مع الآخر في محيطه الجامعي والخارجي، وهذا التغير يظهر ويتضح في مسؤوليته على القرارات التي سيتخذها في المواقف المختلفة؛ الشخصية منها أو العلمية أو الاجتماعية وفي جميع ما سيواجهه من قضايا بعيدا عن الأحكام المسبقة وعن العشوائية في اتخاذ القرار؛ بتحكيم العقل في مختلف ما يعرض له. وتعمل هيئة التدريس والإشراف على أن يدرك الطالب بأن الجامعة تشع بنورها على المجتمع وتعمل على نقله نحو الرقي، وليس العكس، فالجامعة تعمل على احتواء المجتمع للقضاء على الأفكار والتقاليد البالية بالاحتكام إلى العلم والمعرفة، بهدي من العقل ومن القيم النيرة التي ورثناها عن أسلافنا.

6 ــ الجامعة مؤسسة وطنية عامة، يجب المحافظة عليها وحمايتها، لتستمر في تأدية رسالتها الحضارية، لأنها مكان لصناعة المعرفة بوساطة الأساتذة والطلبة، وترقية وجدان المجتمع، وتهذيب ذوقه والارتقاء به نحو الرقي الحضاري.

7 ــ المجتمع الجامعي مجتمع عائلي، ينمو ويتطور سلوكه وعلاقاته المعرفية داخل الحرم الجامعي ويحكمه التنافس والكفاءة والتفوق بما ينجزه الأساتذة والطلبة إناثا وذكورا؛ وتعايشهما يتسم بالأخلاق المستلهمة من قيم ديننا الحنيف ومن الإحساس بالروح الوطنية والإنسانية حيث ينتشر الإحساس الوطني والإنساني في أمالهم وطموحاتهم.

8 ــ الأسرة الجامعية ملزمة باحترام التقاليد الجامعية؛ لأنها مبنية على الحوار وحرية التعبير واحترام الرأي المخالف فيما يعرض من قضايا العلم والمعرفة وخدمة المجتمع والإنسانية.

9 ــ المعاملة بين أعضاء الأسرة الجامعية تتم بحسب موقع كل واحد فيها من درجات السلم العلمي والمعرفي والمهني؛ أساتذة وطلبة وموظفين وعمالا.

البحث العلمي

البحث العلمي في جميع أشكاله وألوانه ينشد المعرفة ويسعى إليها بكل الوسائل والوصول إليها وتقديمها في أوانها.. وهو طريقة منظمة موجهة لحل مشكلات الإنسان ورقيه الحضاري، إنه ضرورة مستمرة تنميها الجامعات ومراكز البحوث بوساطة الأساتذة والطلبة، وبوسائل علمية ومالية تتيح المجال لممارسة البحث العلمي ومتابعته بعيدا عن المؤثرات والمعوقات التي ترهنه أو تقف في طريق إنجاز طموحاته.

والبحث العلمي يشكل أهمية كبيرة بالنسبة للجامعة، إذ لا حياة لجامعة أو كلية أو معهد دون بحث علمي يهتم بالإنسان وقضاياه الفكرية والعلمية والأدبية والثقافية والصناعية، كل في مجاله. فالبحث العلمي في الجامعات جزء من العملية التعليمية، ومظهر من مظاهر وجودها وأساس في العلاقة بين الأستاذ والطالب والمجتمع.

ومن سمات البحث العلمي أن نتائجه ملك للبشرية وتتداول من قبل الباحثين في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية وغيرها خدمة للإنسان وسعيا لرفاهيته، ما عدا الأبحاث التي تدخل في استراتيجية الدول التي تعد نتائجها من أسرارها في تفوقها وهيبتها؛ فإنها من حقها أن تحتفظ بها وتتكتم على نتائجها إذ بها تستشرف التفوق بعيد المدى.

مراكز البحث العلمي

1 ـ الجامعات بكلياتها ومعاهدها.

2 ـ مراكز البحث المستقلة التي تمارس البحث العلمي خارج الجامعة لأسباب تتحفظ عليها، ولكنها تمارس من قبل جامعيين، تنشئها القطاعات الخاصة من أجل المساهمة في التنمية وفي تطور المنتوج الثقافي أو التجاري أو الصناعي بمراقبة الهيئات العلمية للدولة.

3 ـ مراكز البحوث الاستراتيجية: وهي مراكز يمارس بها الجامعيون أعمال البحث ولكنها ليست داخل الجامعة؛ وهذه المراكز تنشئها الدول لتكون مرجعها في اتخاذ القرارات التي تؤسس لمشاريع تهم المجتمع والوطن، وإلى جانب إنجازات باحثي هذه المراكز تعتني بما ينجز وما يدرس بالجامعات من أعمال علمية نظرية أو ميدانية سواء أنجزها الأساتذة أو الطلبة أو فرق البحث وخاصة الأعمال الميدانية التي تتم في الغالب بمواجهة العينات ومراقبتها ووصفها وربطها بخصائصها وحاجياتها..

وأذكر مثالا لذلك ما ذكره ابن خلدون في تاريخه (العبر) من أن المسيلة منطقة صالحة لزراعة الزيتون وتتوفر على المياه الجوفية، فذكر أن سكانها يحفرون أبارا بمقدار (قامة صبي) عمره ثماني سنوات فيتدفق الماء، فذهبت فرقة من مركز البحث في جامعة قسنطينة (C.U.R.E.R) سنة 1973 وحفرت في مواقع عديدة بالمنطقة فاكتشفت عروق أشجار الزيتون التي كانت بالمنطقة في أزمنة ماضية.

الأسس التي يقوم عليها البحث العلمي

ـــ احترام الأديان.

ـــ احترام الإنسان رجلا أو امرأة.

ـــ احترام الرأي العلمي للآخر في العلوم الإنسانية وتجنب العبارات البذيئة، والتنقيص من رأي الباحثين الآخرين، وتجنب السب والشتم من مثل: رأي فاسد، رأي خاطئ، رأي غالط، رأي غير صالح.. كما يتجنب الباحث سب العلماء مهما اختلفت مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية والمعرفية، وأي رأي علمي مهما كان لا يتوافق مع آرائنا فإنه لدى صاحبه رأي مستقل ويمثل جهدا معرفيا مستندا على أسس علمية، لكن ليس معنى هذا قبول الرأي المخالف، بل علينا البحث عن الأدلة المادية والعلمية للرد على صاحبه وتوضيح وجهة النظر التي يتبناها ومحاورته علميا بعيدا عن أية خلفية أيديولوجية.

ـــ الارتباط بالعلوم والمعارف العربية الإسلامية؛ لأن لها خصوصيتها ومرجعيتها الحضارية في لغتها ومعارفها وأصولها ومناهجها فاستطاعت عبر خمسة عشر قرنا أن تمتلك تراكما معرفيا لم تستطع حضارة من الحضارات البشرية أن تمتلكه، ولأن هذا التراكم منبع ثَرٌّ للباحثين في الجامعات العالمية ومرجع في إنجازاتهم واكتشافاتهم.

ـــ الوعي بأهمية البحث العلمي واستراتيجيته في الدولة وتوجهها الحضاري، لأن البحث العلمي يمدها بتحليل الواقع لاستشراف المستقبل، ثم إن الباحثين هم ذخيرتها وزادها في التقدم والبناء والتشييد؛ ولذلك فإن مكانتهم في البناء الهرمي للمجتمع تأتي في الصدارة.

ـــ الابتكار والكشف والتحليل للوصول إلى فهم الإنسان؛ ومن ثم العناية بحياته وثقافته وإبداعه وتطويره في سياق يضمن استمراره، إلى جانب اكتشاف القوانين التي تحكم الطبيعة واستغلالها لخدمة الإنسانية، وتلك مهمة العلماء.

وفي الحضارة الإسلامية لا تتم الاكتشافات والبحوث خارج الأصول التي قامت عليها والتي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعَ أسسها بوحي منه تعالى خالق الخلق.

ـــ احترام ثقافات ومعارف الأمم وإنجازاتها في الماضي والحاضر والتأسيس عليها لمواصلة الاكتشاف والبحث في فهم الظواهر الكونية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفنية.. فقد علمتنا الحضارة الإسلامية ألّا نقصي المعارف مهما كان مصدرها، فنحن ندرسها، ولكن لا نقدم نتائجها السلبية لأجيالنا، بل علينا الاستفادة من تجاربها في ميدان التخصص.

خصائص الباحث الجامعي

ـــ استخدامه الطرائق الصحيحة في البحث وتبني المناهج النقدية والمعرفية التي تنمي الإبداع والنقد في مجال تخصصه، وتبني الأسلوب العلمي في الدراسة واحترام قواعد المنهجية العلمية المتبعة من قبل الباحثين.. ولا يمنع أن يكتشف الباحث وسائل جديدة، يجربها ويطرحها على زملائه للإثراء والتقويم.

ـــ الموضوعية أي أن الباحث يلتزم بالوصول إلى الحقائق العلمية بعيدا عن التأثر بموقف ما، إلا إذا كان البحث يؤدي إلى الإضرار بقيمه أو بالمصالح الوطنية ويثير الصراعات الاجتماعية، فإن على الباحث أن يوقف إعلان نتائجه، وأن يحيلها إلى المسكوت عنه أو الأرشيف.

ـــ الانفتاح الفكري؛ أي التمسك بالروح العلمية والتطلع إلى معرفة الحقيقة وترقيتها، والابتعاد عن التزمت والتعصب والاعتداد بالرأي الأحادي في النتائج.

ـــ الابتعاد عن إصدار الأحكام النهائية بناء على براهين وأدلة يرى أنها قد تدعم صحة نظريته.. ولا يغلق دائرة البحث؛ بل يترك المجال للباحثين للإضافة والتعديل حسب روح العصر.

ـــ ما يتوصل إليه الباحث الأكاديمي من نتائج يفسرها ويوضحها ويربطها زمانا ومكانا واستشرافا بقضايا وطنه وعصره، كما أن عليه أن يرحب بالحوار مع قرنائه فيما توصل إليه مهما كانت النتائج.

يتبع...

* كلية الآداب واللغات ــ جامعة باجي مختار ــ عنابة
نُشر هذا المقال في جريدة البصائر بتاريخ 22 جوان 2026.

→ Back to Blog 32 view(s)

Comments (0)

No comments yet. Be the first to comment.

Add a comment

Comments are reviewed before publication.