بقلم: طارق زياد — نُشر في مجموعة «عنابة زمان» على فيسبوك، 9 أوت 2026

هناك رجالٌ تمرّ بهم المدن كما تمرّ بها الفصول؛ يأتون، يعملون، ثم يمضون، ولا يبقى من خطاهم إلا اسمٌ في سجل أو صورةٌ باهتة في أرشيف.

وهناك رجالٌ آخرون لا يمرّون بالمدينة، وإنما تدخل المدينة في تكوينهم، ثم يدخلون هم في ذاكرتها.

والأستاذ الدكتور محمد عيلان واحد من هؤلاء.

فمن ولاية المسيلة، حيث تبدأ الحكاية في فضاء الجزائر الداخلية، جاء الرجل إلى الجامعة، ثم استقر به المقام في عنابة، المدينة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للتدريس، وإنما تحولت مع الزمن إلى موضوع للبحث، وإلى مختبر مفتوح لفهم الإنسان واللغة والذاكرة والتراث.

ولعل أجمل ما في سيرة محمد عيلان أن خيطًا واحدًا ظل يربط مراحلها المختلفة: الإنسان الذي يحكي، والكلمة التي يتوارثها، والذاكرة التي تقاوم النسيان.

من المسيلة إلى عنابة

لا نملك بعدُ كل التفاصيل الموثقة عن طفولته ودراسته الأولى في ولاية المسيلة، ولا ينبغي للمؤرخ أن يملأ الفراغات بالتخمين. لكن المؤكد أن الطريق قاده في النهاية إلى جامعة باجي مختار بعنابة، حيث بدأ اسمه يبرز في مجال الأدب العربي، وبصورة خاصة في الأدب الشعبي والفنون الشعبية.

ومنذ سنواته الجامعية الأولى في عنابة، لم يكن اهتمامه بالتراث الشعبي ترفًا أكاديميًا، ولا محاولة للبحث عن موضوع بعيد عن هموم الناس.

كان ينظر إلى المثل الشعبي، والحكاية، والأغنية، والرواية الشفوية، باعتبارها وثائق إنسانية؛ فالناس الذين لا يكتبون تاريخهم في الكتب الرسمية، يتركون أحيانًا تاريخهم في الكلام.

وهذه الفكرة ستصبح لاحقًا واحدة من العلامات المميزة في مشروعه العلمي.

الدكتوراه… حين يصبح المثل وثيقة

في سنة 1994 ناقش محمد عيلان بجامعة باجي مختار بعنابة أطروحته للدكتوراه في الأدب العربي، وكانت بعنوان:

«الأمثال والأقوال الشعبية بالشرق الجزائري: دراسة أدبية وصفية»

وتسجل قاعدة الفهرسة الوطنية الأطروحة في 329 صفحة، بإشراف الأستاذ مختار نويرات. وقد يبدو عنوان الأطروحة لأول وهلة أكاديميًا جافًا، لكن وراءه سؤالًا أعمق:

هل يمكن أن نقرأ مجتمعًا من أمثاله؟

والجواب الذي سيقدمه عيلان في مساره العلمي هو: نعم. فالمثل الشعبي ليس مجرد جملة قصيرة يتداولها الناس في مجالسهم. إنه خلاصة تجربة، وتكثيف لوعي اجتماعي، واختصار لصراع طويل بين الإنسان والسلطة والفقر والحب والغيرة والخوف والأمل.

ولهذا كان اهتمامه بالأمثال اهتمامًا بالإنسان قبل أن يكون اهتمامًا باللغة.

الباحث الذي خرج من الجامعة إلى الميدان

في سنة 1997 نشر بحثه المعروف «الشعر الشعبي في الجزائر»، وهو دراسة تطبيقية للشعر الشعبي في منطقة تبسة وبئر العاتر، وتظهر قاعدة ASJP ارتباطه آنذاك بجامعة عنابة.

وهنا نلمس ملامح منهجه بوضوح. لم يكتفِ بالنصوص التي وجدها في الكتب، وإنما اتجه إلى المناطق التي ظل الشعر فيها حيًا في أفواه الناس. فالتراث عنده ليس جثةً تحفظ في المتحف، وإنما كائن حي يتحرك في الذاكرة.

وربما لهذا السبب كان مشروعه في جامعة عنابة لجمع روايات السيرة الهلالية في الجزائر بالصوت والصورة ذا أهمية خاصة؛ فقد عمل فريق ميداني بإشرافه على توثيق الروايات الشفوية لهذه السيرة.

وهنا تتضح فلسفة الرجل أكثر:

أن تحفظ صوت الراوي قبل أن يموت الراوي.

فإذا مات الإنسان، قد تبقى الكتب، ولكن نبرة صوته، وطريقته في الحكي، وتردده، وإيقاع عبارته، وذاكرته الخاصة، كل ذلك يموت معه إذا لم يُسجل.

الجامعة… أستاذًا وإداريًا

لم يكن محمد عيلان باحثًا منعزلًا في مكتبه. لقد كان جزءًا من الحياة الجامعية نفسها، وتولى مسؤوليات أكاديمية وإدارية، من بينها عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة باجي مختار بعنابة، وهي صفة تذكرها مصادر منشورة عنه.

وهذه المرحلة مهمة لفهم شخصيته. فالأستاذ الذي يدرّس مادة الأدب يستطيع أن يكتفي بالمحاضرة والامتحان والبحث. أما العميد، فهو يدخل إلى منطقة أخرى: الإدارة، والطلبة، والأساتذة، والبرامج، والصراعات الصغيرة والكبيرة التي تصنع الحياة الجامعية.

وهناك يتعلم الباحث شيئًا آخر:

أن الجامعة ليست بناية، وإنما مجتمع مصغر يعكس المجتمع الأكبر بكل تناقضاته.

من عنابة إلى العالم العربي

بعد سنة 2004، غادر محمد عيلان الجزائر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لمواصلة مساره الأكاديمي.

وهنا ينبغي أن نصحح معلومة مهمة: ليس لدينا ما يثبت أنه درس أو عمل في جامعة الشارقة، والأدلة التي ظهرت في البحث تربطه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي. ففي سنة 2008 كان أستاذًا مشاركًا في الحياة العلمية للكلية، وظهر رئيسًا للجنة مناقشة رسالة ماجستير في الأدب والنقد. وفي سنة 2009 شارك في مناقشات رسائل ماجستير، كما أشرف على رسالة حول قصص الأطفال في الأدب الإماراتي، وظهر اسمه في عدد من النشاطات الأكاديمية للكلية. ثم استمر حضوره العلمي في الكلية، إذ شارك سنة 2015 في مناقشة أطروحة دكتوراه.

وهكذا لم يكن انتقاله إلى الإمارات قطيعة مع مشروعه الأول، وإنما كان توسعًا لدائرة عمله. فالذي حمل معه من عنابة إلى دبي لم يكن حقيبة كتب فحسب؛ كان يحمل معه سؤالًا كاملًا عن اللغة والإنسان والذاكرة.

كتبٌ تعود دائمًا إلى الناس

في سنة 2013 صدر له كتاب «محاضرات في الأدب الشعبي الجزائري» عن دار العلوم للنشر والتوزيع بعنابة، في 188 صفحة. ويتناول الكتاب تاريخ الأدب والثقافة في الجزائر، ومصادر كتابة التاريخ الثقافي والاجتماعي، والتراث الشعبي، ودور الأجيال في نقله، وأشكال التعبير في الأدب الشعبي الجزائري.

وفي السنة نفسها صدر له كتاب آخر بعنوان:

«معالم نحوية وأسلوبية في الأمثال الشعبية الجزائرية، مع ملحق بـ300 مثل شعبي جزائري»

ويبحث الكتاب في جمالية التعبير المثلي، وأساليب التعبير الأدبي، والظواهر اللغوية والبلاغية في الأمثال الشعبية.

وهنا تتجمع قطع الصورة.

محمد عيلان لا يرى التراث الشعبي باعتباره أدبًا من الدرجة الثانية. بل يضعه في المكان الذي يستحقه: نصًا لغويًا، ووثيقة اجتماعية، وذاكرة تاريخية، وشاهدًا على طريقة المجتمع في التفكير.

ثم عاد إلى عنابة… ولكن هذه المرة كباحث في مدينته

في سنة 2021 نشر محمد عيلان سلسلة من ست حلقات في جريدة البصائر بعنوان:

«مدينة عنابة بمناسبة مرور ثلاثة آلاف سنة على تأسيسها: مقاربة تاريخية ثقافية اجتماعية»

وهي من أكثر أعماله دلالة على علاقته بالمدينة.

فالمدينة عنده ليست مجموعة تواريخ محفوظة في الكتب. إنها طبقات. طبقة من الحضارات، وطبقة من الهجرات، وطبقة من العادات، وطبقة من الحرف، وطبقة من الأمثال، وطبقة من المعتقدات، وطبقة من الذاكرة التي تنتقل من الجد إلى الحفيد.

وقد اعتمد في دراسته على الوثائق، وعلى العمل الميداني، وعلى المأثورات الشفوية، والمشغولات اليدوية، والممارسات الشعبية، بحثًا عن البنية الثقافية والاجتماعية التي لا تظهر دائمًا في كتب التاريخ.

وهنا، في رأيي، تبلغ تجربة عيلان أجمل مراحلها.

فالرجل الذي جاء إلى عنابة أستاذًا للأدب، انتهى به المطاف إلى أن يقرأ عنابة نفسها كنص.

ماذا يقول لنا مشروع محمد عيلان اليوم؟

إن أهمية محمد عيلان لا تكمن فقط في عدد الكتب والبحوث التي كتبها. الأهمية الأعمق تكمن في المنهج.

فالجزائر اليوم تمتلك أرشيفًا ضخمًا من الوثائق الرسمية، لكنها تمتلك أيضًا أرشيفًا آخر لا يقل قيمة: ذاكرة الناس.

هناك آلاف القصص التي لم تدخل الكتب: أسماء الحرفيين، أغاني الأعراس، الأمثال، حكايات الجدات، أسماء الأسواق القديمة، طرق الطب الشعبي، الألعاب القديمة، الحكايات المرتبطة بالأحياء، روايات المجاهدين، قصص الهجرة، وحتى الكلمات التي اختفت من التداول.

كل ذلك يمكن أن يضيع في جيل واحد.

وهنا تكمن الرسالة التي يمكن أن نستخلصها من تجربة عيلان:

أن كتابة التاريخ لا تبدأ دائمًا من الوثيقة الموجودة في الأرشيف؛ أحيانًا تبدأ من الشيخ الجالس أمام باب بيته، حين يقول لك: «كان أبي يحدثني عن…».

لكن الذاكرة وحدها لا تكفي. وهذه نقطة مهمة جدًا. فالذاكرة قد تخطئ، وتخلط، وتضيف، وتحذف. ولهذا فإن المنهج الصحيح هو أن نضع الرواية الشفوية بجوار الوثيقة، لا مكان الوثيقة.

وهذا هو الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه مشاريع الذاكرة المحلية في عنابة اليوم.

عنابة تحتاج إلى من يسمعها

ربما لهذا السبب يبدو محمد عيلان مناسبًا جدًا لمشروع توثيق تاريخ عنابة وشخصياتها. فالمدينة التي عاشت آلاف السنين لا يمكن أن تختصر في تواريخ الملوك والحروب.

تاريخها الحقيقي يسكن أيضًا في المقاهي التي اختفت، وفي الأسواق التي تغيرت، وفي أسماء الشوارع، وفي الحرف التي انقرضت، وفي العائلات التي جاءت من أماكن بعيدة ثم أصبحت عنابية، وفي الكلمات التي كان أهل بونة يستعملونها ثم ابتلعها الزمن.

إنقاذ الذاكرة قبل أن تتحول إلى صمت.

من المسيلة إلى عنابة… ومن عنابة إلى دبي

لو أردنا أن نختصر رحلة محمد عيلان في جملة واحدة، فقد نقول:

جاء من المسيلة، وجد في عنابة فضاءه العلمي، ثم حمل تجربته إلى دبي، لكنه ظل يعود في كتاباته إلى الجزائر وإلى الإنسان الذي صنع تراثها.

وهذا هو معنى الأستاذ الحقيقي. ليس أن يملأ رأس الطالب بالمعلومات، وإنما أن يعلّمه كيف يسأل. ليس أن يحفظ له الإجابات، وإنما أن يفتح أمامه الأبواب.

ولعل محمد عيلان، حين اختار الأمثال والحكايات والأغاني الشعبية موضوعًا للبحث، كان يعرف — أو أدرك مع الزمن — أن الأمم لا تحفظ تاريخها فقط في القصور والوثائق، بل تحفظه أيضًا في ذاكرة الفقراء والبسطاء والمجهولين. أولئك الذين لا تظهر أسماؤهم في كتب التاريخ، لكنهم يصنعون التاريخ كل يوم.

كلمة أخيرة

في زمنٍ أصبحت فيه الذاكرة قصيرة، وأصبح الهاتف يحتفظ بصور أكثر مما يحتفظ الإنسان بحكاياته، تبدو مهمة الباحث في التراث أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فما يضيع اليوم لن يكون من السهل استعادته غدًا. ولهذا فإن تكريم الأستاذ محمد عيلان لا يكون فقط بذكر ألقابه الجامعية ومؤلفاته، وإنما بفهم القيمة الحقيقية لمشروعه:

لقد حاول أن يمنح صوتًا لما كان مهددًا بالصمت.

وحين نكتب عن رجلٍ قضى جانبًا كبيرًا من عمره في البحث عن ذاكرة الناس، فإننا لا نكتب سيرته وحدها. نحن نكتب، في الحقيقة، جزءًا من سيرتنا نحن.

لأن المدن لا تعيش بالحجر وحده.

المدينة تعيش بما تتذكره.

وإذا نسيت المدينة حكاياتها، فقد بقيت واقفة في مكانها، لكنها فقدت شيئًا من روحها. أما إذا وجدت من يصغي إليها، ويجمع شتات ذاكرتها، ويضع الرواية بجوار الوثيقة، والحكاية بجوار التاريخ، والإنسان بجوار الحدث، فإن الماضي لا يعود مجرد ماضٍ…

بل يصبح مفتاحًا لفهم الحاضر، وربما بوصلةً لما سيأتي.

وهنا تكمن قيمة محمد عيلان، وهنا أيضًا تكمن مسؤوليتنا نحن: أن نواصل ما بدأه، وأن نحول ذاكرة المدن من حكايات معرضة للنسيان إلى تراث موثق يحق للأجيال القادمة أن تعرفه وتختلف معه وتبني عليه…

→ Retour au blog 36 vue(s)

Commentaires (0)

Aucun commentaire pour le moment. Soyez le premier à commenter.

Ajouter un commentaire

Le commentaire sera examiné avant publication.