ب ـــ الأستاذ ومهامه بالجامعة الجزائرية

– التدريس والتأليف وكتابة البحوث ونشرها في الدوريات العلمية المحكمة، أو إعداد المذكرات للطلبة وطبعها بـ (ديوان المطبوعات) في مرحلتنا بسبب قلة الكتب والدوريات بمكتبة الجامعة.

– الإشراف على بحوث الطلبة لنيل الدرجات العلمية.

– يدرب الأستاذ الطلبة على البحث العلمي في الآداب والفنون والعلوم وغيرها، ويعمل على أن يدرك طلبته بأن البحث العلمي ليس ترفًا؛ بل ضرورة يتطلبها التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي لوطنه وشعبه وأمته، والجامعة من خلال باحثيها تنمي وعي طلبتها ليواكبوا النهضة التي تنمو وتتواصل بمواكبة المعرفة، ويؤكد الأستاذ لطلبته أن الأمم ينهض أبناؤها بتلك المهمة وليس غيرهم.

– يدرب الأستاذ الطلبة على الجرأة في إبداء الرأي وقول الحقيقة العلمية، ويسعون للبرهنة عليها بأسلوب علمي يساعدهم على الاستقلال بالرأي.

– يدرب الأستاذ الطلبة على الابتعاد عن الوصف حين البحث والدراسة، والتمرس على التحليل والوصول إلى القراءة التي يدعمها العقل والمنطق والمعطيات العلمية انطلاقًا من التراكم المعرفي.

– يدرب الأستاذ الطلبة على روح النقد والفهم الجيد للنصوص في دلالاتها عبر أزمنتها وفي امتدادها في معارف أخرى؛ مثل علم التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم اللغة.. والواقع أنه لا يوجد علم يستقل بذاته دون أن تكون له امتدادات في علوم أخرى.

– الأستاذ الباحث لا يعزل البحث العلمي عن ماضيه الحضاري وعمّا وصل إليه السابقون من العلماء، فنحن نقرأ جهودهم ونستفيد منها في بحوثنا مستشرفين رقي الإنسان وسعادته.

– يدرب الأستاذ الطلبة على طرح القضايا الواقعية التي هي محل نقاش بين الدارسين والباحثين لإبداء الرأي ومناقشة ما جدّ فيها من آراء، ويمكن أن يحولها الأستاذ الباحث موضوع مقال أو تقرير أو مذكرة ماجستير أو دكتوراه، وبذلك يربط الأستاذ البحث العلمي بالمحيط خارج الجامعة فيسهم الطلبة في إيجاد الحلول للقضايا الأدبية والثقافية والاجتماعية والدينية التي يعاني منها المجتمع.

– يدرب الأستاذ الطلبة على البحث الجماعي بإشرافه؛ ومثل هذا العمل ميزة الجامعة.

– يرسّخ في الطلبة حب المكتبة ويدعوهم لارتيادها باستمرار طيلة وجودهم بالجامعة، ويذكّرهم بأن مكتبة الجامعة بها ذاكرة الأمم والشعوب، وهي الإرث المعرفي للحضارات التي نَظَّرَتْ للمعرفة (الحضارة اليونانية والحضارة الإسلامية والحضارة الحديثة) وفي كل ذلك كان الكتاب قوامها.

– الطالب والأستاذ شاهدان على عصرهما وفاعلان فيه، وعلى الأستاذ أن يدرب الطالب على البحث في قضايا عصره وأن يبدي فيها برأيه ويستشرف المستقبل من خلالها، فهو ابن عصره؛ تمامًا كما هو الطالب في جامعات أخرى يمارس نفس المهمة، وهكذا تتميز سلسلة المعرفة البشرية بحلقات الأجيال التي أسهمت فيها وأنارت بها دروب شعوبها وأحدثت التراكم المعرفي.

أخلاق الأستاذ مع طلبته بالجامعة

يحرص الأستاذ الجامعي على غرس القيم التي تمكّن الطلبة من الانخراط في مشروع الدراسة والبحث الأكاديمي لأول مرة بالجامعة، ويحثّهم على التحلي بالصفات التي تمكنهم من التفاعل داخل الحرم الجامعي، فالمجتمع الجزائري مجتمع فتي ما فتئ يشهد التحولات السريعة مواكبةً للتحولات التي يشهدها العالم في ميدان العلم والمعرفة، ورصيد الدول مهما كانت إمكانياتها المادية قوية فستظل ضعيفة إن لم يكن لديها رصيد بشري من العلماء والمفكرين ينهضون بها، وعليه فإن:

1 ــ الأستاذ يمارس (مهنة الأنبياء) وهي التعليم والتوجيه بصدق وإخلاص وتضحية.

2 ــ الأستاذ قدوة لطلبته في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته وطريقة تعامله؛ لأنهم سيكونون مثله مربين وموجهين للأجيال.

3 ــ الأستاذ يتجرد من ذاته حين ممارسة البحث العلمي، وينخرط في العمل العلمي الجماعي مراعيًا فقط مبادئه؛ إذ أن الأستاذ يتعامل مع الطلبة في القضايا العلمية دون مرجعية من عصبية أو جهوية أو أيديولوجية أو عاطفة.

4 ــ الأستاذ المشرف يقود طلبته نحو الوصول إلى الحقيقة التي تخدم الإنسانية، ويوجه البحث نحو الاكتشاف، ويبعدهم عن التقليد والنقل والأخذ عن الآخرين دون بذل جهد؛ سعيًا إلى تطوير العلم والمعرفة.

5 ــ الأستاذ لا يسيء الأدب أمام طلبته ولا يستغلهم في تحقيق منافع ذاتية.

6 ــ الأستاذ يرتفع مع طلبته إلى مستوى الاحترام والقدوة، بعيدًا عن تعامل العوام في الحرم الجامعي أو غيره من الأماكن، وخاصة ظاهرة العمل الشعبوي الحواري الذي يؤسس له (أستاذ ما) بالحرم الجامعي، بحيث يُشَاهَدُ مُحَلِّقًا مع الطلبة، بينما مكان لقاء الأستاذ بطلبته؛ مكتبه أو المكتبة الجامعية أو أي مكان يخصصه القسم العلمي لاستقبال الطلبة؛ لأن عملًا من هذا النوع يعرِّض الأستاذ لرفع الكلفة الأخلاقية والسلوكية مع طلبته، وتلك أسوأ نقطة في علاقة الأستاذ بطلبته.

7 ــ الأستاذ كما هو قدوة في أخلاقه وعلمه؛ فكذلك هو قدوة لطلبته في مظهره أمامهم وأمام المجتمع.

المسؤولية العلمية للأستاذ في مرحلة الإشراف

الإشراف على إنجاز المذكرة أو الرسالة

1 ــ متابعة الطالب ومناقشته في موضوع المذكرة أو الرسالة حتى تظل معالم المذكرة أو الرسالة واضحة لدى الطالب، ويطلب منه تقديم عرض عن قراءاته وعن أفكاره في موضوعه أسبوعيًا أو نصف شهري، ليطمئن إلى مسار الطالب في منهج البحث خلال مرحلة إنجاز المذكرة أو الرسالة.

2 ــ السماح للطالب بالعودة إلى الأساتذة المتخصصين، ومناقشتهم فيما عَنَّ له من قضايا تُعَدُّ من صميم تخصصاتهم دون حساسية في ذلك، فالمعرفة ليست ملكًا لشخص دون آخر، وهي تتطور وتنمو بالتعاون، ومثله حثّ طالب الدراسات العليا على حضور الملتقيات التي تُعْقَد في الموضوع أو المشاركة في أحد محاورها المعروضة للنقاش بين الباحثين بعد أن يطلع الأستاذ على ما سيقدمه الطالب.

3 ــ الإسراع في القراءة لكل جزئية ينجزها الطالب الذي يشرف على مشروع بحثه؛ لأن التأخر في قراءة منجز الطالب قد يقلل من حماسه، وقد يؤدي به إلى كتابة بحث مفككة أجزاؤه وغير منسجمة في سياق موضوع البحث، مما يعرِّضه للنقد يوم المناقشة، إلى جانب مراعاة الوقت المخصص لإنجاز مشروعه.

4 ــ احترام رأي الطالب المؤسَّس علميًا إن أصر عليه رغم مخالفته له.

5 ــ عندما يلاحظ الأستاذ بذرة إبداع وتَفَوُّق لدى الطالب، عليه أن ينمِّيها ويأخذ بيده لتتبلور وترى النور وتصبح إضافة إلى المعرفة، فهي فخر للطالب والأستاذ والجامعة والأمة.

6 ــ لا يقْمع الأستاذ الطالب، ولا يعمل على التقليل من آرائه أو الآراء التي ينقلها عن الآخرين؛ بل يدعوه لمناقشتها وبيان جوانب حضورها في البحث.

7 ــ يدرب الأستاذ الطالب على الاحتكام في البحث للرأي الذي تسنده الأدلة الأكاديمية، وليس الحكم على «المعرفة» من خلال السلوك الأخلاقي أو الأيديولوجيا.

8 ــ يدرب الأستاذ الطالب؛ بل الطلبة على الحوار ويُبَيِّنُ لهم بأن الحوار يكون بين طرفين في موضوع ما، يهم المجتمع أو قضايا الفكر والسياسة والاجتماع من أجل إثباته، ومتى ما كانت الأدلة في طرف أقوى منها في طرف آخر أُخِذَ بها، ويُفِهِم الطلبة بأن الرأي الذي يتوصل إليه رأي احتمالي في مرحلة الدراسة؛ أي أنه يحتمل الحقيقة وعدمها ما عدا كلام الله عز وجل في كتابه، فإنه صادق ولا يحق لأستاذ أو طالب أن يقول عمّا يرد من كلام الله بالقرآن الكريم (بأنه احتمالي) فكلام الله عز وجل منزه عن كل حكم نقدي أو معرفي. وعندما نقول عن كلام البشر بأنه احتمالي فلأنه كذلك، فقد تأتي أدلة وشواهد أخرى تغيّر المتفق عليه بين الباحثين، والحوار يجب أن يعمّ حياة المجتمع في جميع شؤونهم لأنه أسلوب من أساليب المدنية والرقي.

ج ــ الطالب بالجامعة

الطالب قدوة المجتمع وأمله في قيام مجتمع العلم والمعرفة، المؤسس على استعمال العقل، وتوظيف العلم في الحياة.

1 ــ الطالب ملزم باحترام الأستاذ المدرّس أو المشرف على المذكرة أو الرسالة؛ لأنه قدوته في البحث والتوجيه وتلقي العلم والمعرفة وفي التقيد بقيم المجتمع.

2 ــ علاقة الطالب بالأستاذ قوامها الاحترام بعيدًا عن التَّهَوُّر وتجاوز حدود القيم الأخلاقية لمجتمعنا.

3 ــ ينادي الطالب أستاذه بلقبه العلمي أولًا مرفقًا باسمه، وأثناء الحديث عنه بحضور أساتذة آخرين لا يغفل اللقب العلمي لأستاذه المحاضر أو المشرف مهما كان المجلس أو الظرف، وكذلك عند توظيف كتبه أو منشوراته في بحثه.

4 ــ يتجنب الطالب عرض ما له صلة ببحثه على الأستاذ المشرف في الممرات وأمام الطلبة والأساتذة؛ بل في (مكتب الأستاذ) أو في (قاعة الإشراف أو قاعة استقبال الطلبة).

5 ــ يضبط الطالب مع الأستاذ رزنامة اللقاءات العلمية المباشرة، في مكتبه أو في المكان الذي تحدده الإدارة لاستقبال الطلبة ويعمل على احترام المواعيد. ولا يحاجج الأستاذ المشرف عند تأخره، أو حصول ظرف له.

6 ــ إذا سمع الطالب في (حضور ما) نقدًا لأستاذه المشرف أو طعنًا في كفاءته، عليه ألا يدخل في نقاش من هذا النوع، إذ قد يستغله الآخرون للحط من المنزلة العلمية لأستاذه أو غيرها، ولأن نقد الآخرين لأستاذه قد يكون ناشئًا عن صراع لا يعرفه، فعليه ألا يكون طرفًا فيه؛ لأن ذلك مما يؤدي إلى توتر العلاقة مع الأستاذ المشرف.

7 ــ الطالب ملزم بعدم الحديث عن سلوك أستاذه، ولا يعرِّضه لنقد الآخرين كالحديث عن أسلوبه في التوجيه والتعامل معه خلال مرحلة الدراسة في قاعة المحاضرة أو قاعة البحث.

8 ــ ألا يحرج الطالب الأستاذ بتقديم الهدايا أو الدعوة للحفلات الاجتماعية الخاصة أو العامة أو السفر في رحلات سياحية، تعطي صورة غير مقبولة لدى الآخرين، كما أنها ليست من أخلاق الأستاذ والطالب الجامعيين.

9 ــ ألا يتعامل الطالب مع أستاذه المشرف بدافع جهوي أو عرقي أو أيديولوجي، بل الروح العلمية والمصلحة الوطنية والإنسانية هي أساس العلاقة بين الجامعيين.

10 ــ على الطالب أن يتجنب قدر الإمكان الأستاذ الذي يقبل الإشراف على الطلبة معتمدًا الجهوية والعصبية، أو يدعو الطلبة للإشراف على بحوثهم ورسائلهم تدعيمًا له في القسم المنتمي إليه؛ نتيجة صراع داخلي بين الأساتذة أو بينه وبين الإدارة، فيضحي بالاختصاص الذي اختاره، بدافع عاطفي أو جهوي أو قبلي.

11 ــ ألّا يكون الطالب وسيطًا بين الإدارة والأستاذ المشرف في نقل المعلومات، التي تسيء إلى الأستاذ المشرف، وتجلب له الإحراج، كما أنه لا يجب أن يكون وسيطًا لأستاذه المشرف في نقل المعلومات التي تتسبب في حدوث الضغائن بين الأساتذة الآخرين أو بينهم وبين الإدارة.. لأن من يفعل ذلك لا يستحق صفة الطالب الباحث، وليس مؤهلًا لأن يكون مشروع أستاذ جامعي في المستقبل أو قيادي يُسَيِّر شؤون المجتمع.

12 ــ إذا تعرض الطالب لنقد ما ينجزه في مسار البحث من قبل أساتذة آخرين أو زملائه، فإن مرجعه في ذلك أستاذه المشرف الذي له الكلمة العلمية، ولأنه هو الذي يتحمل المسؤولية العلمية في تقديم الطالب للمناقشة من أجل الحصول على الشهادة وبالتالي الدرجة العلمية وليس غيره.

13 ــ احترام التقاليد الجامعية عند الذهاب للقاء الأستاذ المشرف، بمظهر لا يحرج الأستاذ سواء أكان ذلك الطالب أو الطالبة.

14 ــ الطالب ملزم داخل الحرم الجامعي باحترام زملائه طلابًا وطالبات وكل مكونات المجتمع الجامعي وفقًا لتقاليدنا وثقافتنا الإسلامية.


هذه بعض معالم منظومتنا الجامعية التي أسسنا بها مسار الجامعة خلال العقود الثلاثة الأولى من عمر استقلال الجزائر سنة 1962. وأهم ما يميزها هو أننا سعينا إلى تغيير مسار منظومتنا في محتواها لترتبط بقضايا مجتمعنا وحاجاته في ظل التغيرات التي كان يعيشها العالم، من جهة ومن جهة أخرى، سايرنا في بعض منها المنظومة الجامعية الأنجلوسكسونية؛ من حيث محتوى التكوين والتنظيم المعروف بنظام أربع سنوات ليسانس وسنتان لشهادة الماجستير وثلاث سنوات لإنجاز الدكتوراه.

قد يبدو لبعض الجامعيين أن هذه المنظومة تمثل مرحلة زمنية في تاريخ الجامعة بسبب التحول السريع إلى نظام (المعاهد) والعودة في بعض من مكوناتها إلى منظومة التعليم العالي الفرنسي في بنيتها ومصطلحاتها.. ثم التحول إلى نظام الكليات مرة أخرى مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة.

وللحديث عن الجامعة الجزائرية ودور متخرجيها في بناء الجزائر ومواكبة مراكز البحث العالمية قد يكون له مجال آخر في مستقبل الأيام بمشيئة الله.. وأدعو زملاءنا الجامعيين إلى الكتابة عن مسار الجامعة الجزائرية وتاريخها ودورها الحضاري.

* كلية الآداب واللغات ــ جامعة باجي مختار ــ عنابة

نُشر في جريدة البصائر، 29 جوان 2026

→ العودة إلى المدوّنة 40 مشاهدة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

أضف تعليقك

سيُراجع التعليق قبل نشره.